في كل مجموعة أصدقاء شخصية لا يمكن استبدالها. قد يغيب الجميع يومًا ثم يعودون كما كانوا، إلا ذلك الشخص الذي إذا غاب شعر الجميع أن شيئًا من روح المجموعة قد غادر معه. ليس لأنه الأعلى صوتًا، ولا لأنه الأكثر حديثًا، بل لأنه يحمل بين يديه الخيط الذي يجمع القلوب قبل أن يجمع الأشخاص.
في مجموعتنا اسمه أبو النمر.
ليس لقبًا لرجل، بل وصفًا لحضور. فمن يعرفه يدرك أن بعض الناس يدخلون حياتك بهدوء، ثم يتركون فيها أثرًا لا يغادرها.
أبو النمر لا ينتظر أن يطلب منه أحد المساعدة. يرى الحاجة قبل أن تُقال، ويبحث عن الحل قبل أن تُطرح المشكلة. يقف إلى جانب الغريب كما يقف إلى جانب القريب، ويمنح من وقته وخبرته وراحته وكأن العطاء جزء من طبيعته، لا عملًا يستحق عليه الشكر.
وحين تجلس معه تنسى الوقت.
حديثه لا يعتمد على البلاغة ولا على الكلمات المنمقة، بل على صدق التجربة. يحكي قصة تبدو بسيطة، ثم تكتشف بعد دقائق أنها تحمل حكمة ربما احتاجت كتب كاملة لتصل إليها. يروي مواقف عاشها، ومغامرات خاضها، وأناسًا قابلهم، فتشعر أن الحياة نفسها تتحدث على لسانه.
ولعل أجمل ما فيه أنه لا يصنع الفرح، بل ينقله. يضحك من قلبه، فيضحك الجميع. يروي طرفة فينسى الجالسون همومهم، ثم ينتقل بسلاسة إلى حديث جاد يفتح أبواب التفكير دون أن يشعر أحد بأنه يلقي درسًا أو يقدم موعظة.
إنه يملك تلك الموهبة النادرة التي تجعل الجلسة أكثر دفئًا، والخلاف أقل حدة، والصداقة أكثر رسوخًا.
وحين تختلف الآراء، يلتفت الجميع إليه. ليس لأنه يفرض رأيه، بل لأنهم يثقون بحكمته. يعرف كيف يستمع أكثر مما يتكلم، وكيف يزن الأمور بعقل هادئ وقلب كبير. ولذلك أصبح المستشار الذي لا يحتاج إلى لقب، والمرجع الذي فرضته المحبة قبل الخبرة.
ومن يتأمل أي مجموعة ناجحة سيجد دائمًا أن وراء استمرارها شخصًا يشبه أبا النمر. ليس بالضرورة أن يكون الأكبر سنًا أو أعلى مكانة، لكنه الأكثر حرصًا على بقاء المودة، والأسرع إلى الإصلاح، والأصدق في النصيحة، والأبعد عن الأنانية.
إن المجتمعات لا تبنى بالمؤسسات وحدها، بل تبنى أيضًا بهذه الدوائر الصغيرة من الأصدقاء الذين يجتمعون على المحبة والاحترام والوفاء. فكل مجلس يسوده الصدق يخفف عن الناس شيئًا من أعباء الحياة، وكل مجموعة تتشارك الأفراح قبل المصالح تصنع مجتمعًا أكثر تماسكًا وإنسانية.
كم نحن بحاجة إلى أن نصنع مثل هذه المجموعات.
مجموعات لا تقوم على المنفعة، ولا تجمعها المناسبات العابرة، بل تجمعها المودة الصادقة. يتبادل أفرادها الخبرة قبل النصيحة، ويقفون مع بعضهم في أوقات الضيق قبل أوقات الاحتفال، ويضحكون كثيرًا دون أن ينسوا مسؤولياتهم، ويختلفون باحترام ثم يعودون أكثر قربًا.
وعندها تصبح الحياة أقل قسوة، وأكثر احتمالًا.
ولعل أجمل صورة لهذه المجموعات تشبه فرقة موسيقية متقنة. لكل فرد فيها صوته ودوره وأسلوبه، لكن انسجامها لا يكتمل إلا بوجود من يعرف متى يمنح كل آلة مساحتها، ومتى يجمع الأصوات في لحن واحد. ذلك هو دور أبو النمر. ليس لأنه يريد أن يكون في الواجهة، بل لأنه يجيد أن يجعل الآخرين يبدون أجمل وهم معًا.
فطوبى لكل مجموعة رزقها الله أبا النمر.









