في السياسة، لا توجد أزمة أشد وطأة من تلك التي تمس ثقة الشباب في المستقبل. فحين تتحول الشهادة الجامعية، التي كانت يومًا بوابةً للأمل، إلى وثيقة تُضاف إلى ملف البطالة، فإن القضية لم تعد مجرد خلل في سوق العمل، بل أصبحت أزمة سياسات تستوجب المراجعة والمساءلة.
يقف خريجو العشرية اليوم أمام واقع يختلف كثيرًا عمّا حلموا به ،سنوات من الاجتهاد والتحصيل العلمي، قابلتها فرص عمل محدودة، ووعود تتجدد مع كل مرحلة، فيما يظل الانتظار القاسم المشترك بين آلاف الشباب الذين يرون أن حقهم في العمل لا ينبغي أن يبقى مؤجلًا إلى أجل غير معلوم.
وفي خضم هذا المشهد، تجد حكومة حسان نفسها أمام أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا ، فالانتقادات تتصاعد من أطراف سياسية ومراقبين ومواطنين يطالبون بإجراءات أكثر فاعلية لمعالجة أزمة التشغيل، بينما يراقب الرأي العام المشهد بعيون لا تبحث عن خطابات مطولة، بل عن نتائج ملموسة تعيد الثقة في قدرة الدولة على تحويل الوعود إلى واقع.
فالسياسة لا تُقاس بعدد المؤتمرات الصحفية، ولا ببلاغة التصريحات، وإنما بقدرتها على تحسين حياة المواطنين، والشارع لا يسأل عن عدد الوعود التي قُدّمت، بل عن عدد فرص العمل التي أُوجدت، وعدد المشاريع التي تحولت من حبر على ورق إلى مصدر رزق للشباب.
ومن الإنصاف القول إن أزمة البطالة ليست وليدة هذه المرحلة، بل هي حصيلة تراكمات وسياسات امتدت عبر سنوات، غير أن تعاقب الأزمات لا يعفي أي حكومة من مسؤوليتها في تقديم حلول واضحة وقابلة للتنفيذ، لأن المسؤولية السياسية تُقاس بما يتحقق في الحاضر، لا بما يُروى عن الماضي.
إن الشباب ليسوا مجرد أرقام في تقارير رسمية، بل هم الثروة الحقيقية لأي وطن، وكل كفاءة تبقى خارج دائرة الإنتاج تمثل خساره للاقتصاد، وكل خريج يفقد الأمل في مستقبله هو إنذار يستحق التوقف عنده، فالأمم لا تنهض بثرواتها الطبيعية وحدها وإنما بعقول أبنائها وسواعدهم.
اليوم، يقف ملف خريجي العشرية كواحد من أبرز اختبارات المرحلة. فهو ليس مجرد ملف إداري، بل امتحان لقدرة السياسات العمومية على استعادة ثقة الشباب، وترجمة الخطط إلى فرص، والشعارات إلى إنجازات يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل تنجح حكومة حسان في تحويل هذا الملف من عنوان للجدل إلى قصة إصلاح حقيقية، أم سيظل خريجو العشرية عنوانًا يتكرر كلما فُتح باب الحديث عن التشغيل والتنمية؟
في النهاية، لا يطلب الشباب المستحيل، ولا يسعون إلى امتيازات خاصة، بل يطالبون بحق يكفله الدستور والقانون وتفرضه العدالة الاجتماعية: حقهم في العمل الكريم، وفي مستقبل يصنعونه بعلمهم وكفاءتهم. فالتاريخ لا يكتب أسماء الحكومات بعدد الوعود التي أطلقتها، بل بعدد الأحلام التي نجحت في تحويلها إلى واقع.










