ويستدرك على أحمد شوقي: هل ما زال العلم يبني بيوتاً لا عماد لها؟
القلعة نيوز — «العلم يبني بيوتًا لا عماد لها»؛ بيت للشاعر أحمد شوقي حفظته الأجيال بوصفه وعدًا بأن المعرفة ترفع صاحبها وتحمي مستقبله، لكن الباحث في الفكر الإسلامي الدكتور محمد صبحي العايدي الذي أمضى حياته بين الدراسة والبحث والتأليف – كما يقول- لأنه يؤمن بأن العلم خدمة للناس والوطن، يطرح سؤالاً بعد إحالته إلى التقاعد المبكر من وزير الأوقاف، هل المقال الذي كتبته كان سببًا في فقدان عملي وإحالتي على التقاعد المبكر؟
كان العايدي قد نشر مقالًا في صحيفة «الغد» بتاريخ 5-9-2026م ناقش فيه خدمة التبرع بالأعضاء بعد الوفاة عبر تطبيق «سند»، حيث لم يدعُ إلى إلغاء الخدمة؛ بل اقترح استعمال عبارة «الإذن بالانتفاع بالأعضاء» بدل كلمة التبرع، ودعا إلى مراجعة جزئية في الفتوى المتعلقة بإذن الورثة، وإلى توثيق أوضح لقرار يمس حرمة جسد الإنسان.
وبحسب رواية العايدي، اتصل به وزير الأوقاف هاتفيًا غاضبا في نفس اليوم الذي نشر فيه المقال، ثم خضع للجنة تحقيق واستجواب عن المقال، قبل صدور قرار إحالته إلى التقاعد المبكر بعد أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة من النشر.
يسأل الباحث في الفكر الإسلامي سؤالاً مشروعاً «أي جملة في مقالي استحقت أن ينتهي عملي في أعقابها؟» -إن كان سبب إحالتي هو المقال- فالنقاط الثلاث، كما يقول، كانت مفتوحةً للرد العلمي: «كان يمكن أن يقال لي إن المصطلح الذي اقترحته غير دقيق، أو إن مراجعتي للفتوى غير صائبة، فلو روجعت فيها كنت سأناقش ذلك بكل احترام، أما سبب انتهاء عملي، فما زلت أطلب أن يقال لي بوضوح».
هذه وقائع يرويها العايدي وفق تسلسلها الزمني، من دون أن يجزم بوجود علاقة سببية بين المقال وقرار الإحالة، لكنه يتوقف عند ما تركته في نفسه من أسئلة: لماذا استدعى رأي علمي منشور اتصالًا غاضباً من الوزير وتحقيقًا واستجواباً؟ وما الأسباب التي بني عليها قرار إنهاء خدمته، وهو يرى نفسه قادرًا على مواصلة العطاء؟
عرف التاريخ كيف تصاب المعرفة حين تملك السلطة الجواب قبل أن تسمع السؤال، فقد حوكم غاليلو بسبب دفاعه عن حركة الارض حول الشمس، وفرضت عليه الاقامة الجبرية، ولكن لم يذكر العالم قوة من حاكموه، بل بقي مثالاً مذموماً يضرب على إخضاع البحث بالقوة.
ويقول العايدي وفي المقابل في وطني صورة أخرى نعتز بها حين قالت مواطنة إن أباها افضل من الملك، واتسع الجدل حول عبارتها، ليتصل بها جلالة الملك عبدالله الثاني ويطمئنها لن يصيبها شيء وان المواطن الأردني له حرية التعبير، هكذا هم الهاشميون في سعة صدرهم، إن صاحب المقام لا تهزه كلمة وأن الانصاف لا ينقص من قدره .
ويقول العايدي : إن وراء قرار التقاعد المبكر إنسان وأسرة، فسنوات العمل لا تختصرها ورقة، والباحث الذي أمضى عمره في تحصيل المعرفة لا يستطيع أن يفصل بسهولة بين قلمه ومستقبل بيته، ومن هنا يستدرك العايدي على بيت شوقي بمفارقة ساخرة، لا يقدمها حقيقة يؤمن بها، بل صورة لما يخشى أن يشعر به غيره، هل وصلنا إلى أن نقلب بيت شوقي: العلم يهدم بيوتًا لا عماد لها، والجهل يبني بيوت العز والكرم؟.
فالعلم، في يقينه، يبني البيوت حقًا، لكن المؤسسة تحتاج كذلك إلى أن تترك للعاملين فيها متسعًا للسؤال والنقاش، وأن تبيّن أسباب القرارات التي تمس حياتهم، حتى لا يملأ الصمت الفراغ بتفسيرات قد تكون صحيحة وقد لا تكون.
سيبقى يذكر التاريخ أن باحثاُ كتب رأيه فغضب المسؤول منه واستجوبه بدل ان يحاوره.
سيذكر التاريخ أن الهاشمين كانوا ولا يزالون قدوة في العلم والحكمة، وأن التصرفات الفردية لن تنال من مكانتهم أو دولتهم التي أسسوها على العلم والمعرفة وحرية التعبير.
وفي نهاية حديثه، يطرح العايدي سؤاله: هل كان لمقالي العلمي يستدعي غضبا واستجوابا، وهل لرأيي العلمي صلةٌ بقرار إحالتي إلى التقاعد المبكر، أم أن القرار استند إلى أسباب أخرى؟ أترك الإجابة لمعالي الوزير.













































