آخر الأخبار
مشاركة أردنية فاعلة للمدن الصناعية في مؤتمر دولي بالقاهرةنتنياهو ووزراء حكومته وآلاف المستوطنين يقتحمون ساحة حائط البراقبلدية الرمثا تُنهي تجهيز متحف التراث في مبنى "البريد القديم"منطقة تنموية جديدة في الشيدية وإعادة تأهيل حدائق ونادي المعلمين بمعانالحكومة تكشف عن صورة تنموية متكاملة لمعان تكتمل خلال 2027 (تفاصيل)حسان: الوضع الإقليمي صعب والأزمات حولنا قد تطول لأشهر أو سنواتهل يحتاج الأردن إلى تشريع خاص لحماية الأطفال في البيئة الرقمية؟أيها الرئيس ... القادم أجمللعبة الاستغماية " الاستغناء " ، بين الوزير الجديد والموظفين !!! .لستُ صاحب ولاية عامة
رأي

خُطَطُ الْحُكُومَةِ وَقَلَقُ الْمُواطِنِ... التَّحْدِيثُ الِاقْتِصَادِيُّ أُنْمُوذَجًا

منذ 4 أيام6 دقائق قراءة
التحكم بالخط:

فِي الْأُرْدُنِّ، لَمْ يَعُدِ الْمُواطِنُ يَنْظُرُ إِلَى الْخُطَطِ الْحُكُومِيَّةِ بِوَصْفِهَا وَثَائِقَ تَنْتَمِي إِلَى مَكْتَبِ الْقَرَارِ فَقَطْ، بَلْ يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ كَيْفَ سَتَنْتَقِلُ هَذِهِ الْخُطَطُ مِنْ لُغَةِ الْأَرْقَامِ وَالْمُؤَشِّرَاتِ إِلَى لُغَةِ الْحَيَاةِ.

فَالْمُواطِنُ لَا يَسْأَلُ عَنْ نِسْبَةِ النُّمُوِّ لِمُجَرَّدِ مَعْرِفَتِهَا، بَلْ يَسْأَلُ: هَلْ سَتَصِلُ إِلَى بَيْتِي فُرْصَةُ عَمَلٍ أَفْضَلُ؟

هَلْ سَتُصْبِحُ الْخِدْمَةُ أَكْفَأَ؟

هَلْ سَيَتَّسِعُ دَخْلِي أَمْ سَتَبْقَى الْحَاجَاتُ أَسْرَعَ مِنْهُ؟

وَهَلْ سَأَشْعُرُ أَنَّ «التَّحْدِيثَ الِاقْتِصَادِيَّ» لَيْسَ مَشْرُوعًا فِي وَثِيقَةٍ رَسْمِيَّةٍ، بَلْ تَغْيِيرٌ يَمُسُّ تَجْرِبَتِي الْيَوْمِيَّةَ؟

هُنَا تَكْمُنُ الْمَسَافَةُ الْحَقِيقِيَّةُ بَيْنَ خُطَطِ الْحُكُومَةِ وَقَلَقِ الْمُواطِنِ؛ فَالْحُكُومَةُ تَنْظُرُ إِلَى الِاقْتِصَادِ مِنْ خِلَالِ النُّمُوِّ وَالِاسْتِثْمَارِ وَالْمَوَازَنَةِ وَالْمَشَارِيعِ وَمُؤَشِّرَاتِ الْأَدَاءِ، بَيْنَمَا يَقْرَأُ الْمُواطِنُ الِاقْتِصَادَ مِنْ خِلَالِ رَاتِبِهِ، وَفَاتُورَتِهِ، وَكُلْفَةِ سَكَنِهِ، وَمَصَارِيفِ أُسْرَتِهِ، وَفُرْصَةِ عَمَلِ أَبْنَائِهِ، وَقُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يَصْنَعَ لِنَفْسِهِ وَلِأُسْرَتِهِ هَامِشًا مِنَ الِاسْتِقْرَارِ.

وَمِنْ هُنَا يَكْتَسِبُ «التَّحْدِيثُ الِاقْتِصَادِيُّ» أَهَمِّيَّتَهُ بِوَصْفِهِ أَنْمُوذَجًا لِاخْتِبَارِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ السِّيَاسَةِ وَالتَّنْفِيذِ وَالْمُجْتَمَعِ. فَالْبَرْنَامَجُ التَّنْفِيذِيُّ الثَّانِي لِرُؤْيَةِ التَّحْدِيثِ الِاقْتِصَادِيِّ لِلْأَعْوَامِ 2026–2029 يَتَضَمَّنُ 392 مَشْرُوعًا ضِمْنَ 182 مُبَادَرَةً فِي 25 قِطَاعًا، وَيَرْتَكِزُ عَلَى مُؤَشِّرَاتٍ لِقِيَاسِ الْأَثَرِ، مِنْهَا 126 مُؤَشِّرَ أَثَرٍ رَئِيسِا وَأَكْثَرُ مِنْ 300 مُؤَشِّرٍ فَرْعِيٍّ.

كَمَا أُعِدَّتْ لِلْمَشَارِيعِ بِطَاقَاتٌ تَتَضَمَّنُ مَخْرَجَاتٍ وَجَدَاوِلَ زَمَنِيَّةً وَمُؤَشِّرَاتِ أَثَرٍ وَتَكْلِفَةً تَقْدِيرِيَّةً.

وَهَذِهِ، فِي حَدِّ ذَاتِهَا، خُطْوَةٌ مُهِمَّةٌ فِي فَلْسَفَةِ الْإِدَارَةِ؛ لِأَنَّ الْخُطَّةَ الَّتِي تُحَدِّدُ مَا تُرِيدُ إِنْجَازَهُ وَكَيْفَ سَتَقِيسُ أَثَرَهُ تَقْتَرِبُ مِنْ مَنْطِقِ الْمَسْؤُولِيَّةِ وَالْمُسَاءَلَةِ.

وَلَكِنَّ الْمُواطِنَ سَيَبْقَى مُحِقًّا فِي السُّؤَالِ عَنْ الْمَرْحَلَةِ الَّتِي تَلِي ذَلِكَ: مَا الَّذِي وَصَلَ فِعْلًا إِلَى الْأَرْضِ؟

وَمَا الَّذِي انْتَقَلَ مِنْ مَكْتَبِ الْخُطَّةِ إِلَى سُوقِ الْعَمَلِ وَالْمَصْنَعِ وَالْمَزْرَعَةِ وَالطَّرِيقِ وَالْمَدْرَسَةِ وَالْمُسْتَشْفَى؟

وَقَدْ أَعْلَنَتِ الْحُكُومَةُ عِنْدَ إِطْلَاقِ الْبَرْنَامَجِ أَنَّ تَنْفِيذَهُ يَشْمَلُ مَشَارِيعَ وَشَرَاكَاتٍ مَعَ الْقِطَاعِ الْخَاصِّ، وَأَنَّ قِيمَةَ الِاسْتِثْمَارَاتِ الْمُرْتَبِطَةِ بِالْبَرْنَامَجِ قَدْ تَبْلُغُ قُرَابَةَ 10 مِلْيَارَاتِ دِينَارٍ خِلَالَ مُدَّةِ التَّنْفِيذِ، خَاصَّةً فِي قِطَاعَاتٍ مِنْهَا الطَّاقَةُ وَالْمِيَاهُ وَالنَّقْلُ وَالْبِنْيَةُ التَّحْتِيَّةُ.

وَهَذِهِ الْأَرْقَامُ تَكْشِفُ حَجْمَ الطُّمُوحِ، وَلَكِنَّهَا فِي نَفْسِ الْوَقْتِ تَرْفَعُ سَقْفَ التَّوَقُّعِ الشَّعْبِيِّ؛ فَكُلَّمَا كَبُرَ حَجْمُ الْخُطَّةِ، كَبُرَتْ أَيْضًا الْحَاجَةُ إِلَى أَنْ يَرَى الْمُواطِنُ أَثَرَهَا بِوُضُوحٍ.

وَهُنَا نَصِلُ إِلَى جَوْهَرِ الْقَلَقِ الْمَعِيشِيِّ. فَالْمُؤَشِّرَاتُ الرَّسْمِيَّةُ لَا تَقُولُ إِنَّ الِاقْتِصَادَ يَسِيرُ بِلَا تَحَدِّيَاتٍ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْمَقَابِلِ تَحْوِيلُ كُلِّ شُعُورٍ بِالضَّغْطِ إِلَى حُكْمٍ عَلَى الِاقْتِصَادِ كُلِّهِ.

فَقَدْ أَظْهَرَتْ بَيَانَاتُ دَائِرَةِ الْإِحْصَاءَاتِ الْعَامَّةِ أَنَّ مُعَدَّلَ التَّضَخُّمِ خِلَالَ الْأَشْهُرِ الثَّمَانِيَةِ الْأُولَى مِنْ عَامِ 2026 بَلَغَ 2.20% مُقَارَنَةً بِالْفَتْرَةِ نَفْسِهَا مِنْ عَامِ 2025، مَعَ انْخِفَاضٍ شَهْرِيٍّ فِي أُسْعَارِ الْمُسْتَهْلِكِ خِلَالَ آبَ بِمِقْدَارِ 0.25% عَنْ شَهْرِ تَمُّوزَ.

وَلَكِنَّ الِاسْتِقْرَارَ النِّسْبِيَّ فِي مَعَدَّلِ التَّضَخُّمِ لَا يَعْنِي أَنَّ الْمُواطِنَ لَا يَشْعُرُ بِالضَّغْطِ. فَالْمَعْدَلُ الْكُلِّيُّ يَقِيسُ تَغَيُّرَ الْأَسْعَارِ، بَيْنَمَا تَخْتَلِفُ سَلَّةُ إِنْفَاقِ كُلِّ أُسْرَةٍ عَنْ غَيْرِهَا.

وَمَنْ يَخْصِصُ جُزْءًا كَبِيرًا مِنْ دَخْلِهِ لِلسَّكَنِ أَوِ الْمَوَاصَلَاتِ أَوِ الْغِذَاءِ أَوِ التَّعْلِيمِ، قَدْ يَشْعُرُ بِضَغْطٍ أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ الَّذِي تُوْحِي بِهِ النِّسْبَةُ الْكُلِّيَّةُ.

وَهُنَا تَكْمُنُ الْحَاجَةُ إِلَى سِيَاسَةٍ اقْتِصَادِيَّةٍ تَقْرَأُ الْمُؤَشِّرَاتِ وَتَفْهَمُ، فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، كَيْفَ تَنْعَكِسُ عَلَى الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ.

وَالْأَمْرُ نَفْسُهُ يَنْطَبِقُ عَلَى سُوقِ الْعَمَلِ؛ فَقَدْ أَظْهَرَتِ الْبَيَانَاتُ الرَّسْمِيَّةُ انْخِفَاضَ مُعَدَّلِ الْبَطَالَةِ بَيْنَ الْأُرْدُنِيِّينَ إِلَى 21.0% فِي الرُّبْعِ الثَّانِي مِنْ عَامِ 2026، مُقَابِلَ 21.3% فِي الرُّبْعِ الثَّانِي مِنْ عَامِ 2025.

وَلَا يُمْكِنُ تَقْرِيبُ صُورَةِ الِاقْتِصَادِ مِنَ الْمُواطِنِ مِنْ دُونِ مُوَاصَلَةِ الْعَمَلِ عَلَى تَوْسِيعِ فُرَصِ التَّشْغِيلِ وَرَفْعِ إِنْتَاجِيَّةِ الْعَمَلِ وَرَبْطِ الْمَهَارَاتِ الَّتِي يُنْتِجُهَا التَّعْلِيمُ بِالطَّلَبِ الْحَقِيقِيِّ فِي السُّوقِ.

وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ التَّحْدِيثَ الِاقْتِصَادِيَّ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْرَأَ فَقَطْ مِنْ خِلَالِ الْأَرْقَامِ الَّتِي تَقُولُهَا الْحُكُومَةُ، وَلَا مِنْ خِلَالِ مَشَاعِرِ الْمُواطِنِ وَحْدَهَا؛ إِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَلْتَقِيَ الْمَسَارَانِ فِي مَسَاحَةِ «الدَّلِيلِ».

فَإِذَا أُعْلِنَ عَنْ مَشْرُوعٍ، فَالدَّلِيلُ هُوَ مَا أَنْجَزَهُ.

وَإِذَا أُعْلِنَ عَنْ اسْتِثْمَارٍ، فَالدَّلِيلُ هُوَ مَا أَنْتَجَهُ مِنْ نَشَاطٍ وَتَشْغِيلٍ.

وَإِذَا أُعْلِنَ عَنْ إِصْلَاحٍ إِدَارِيٍّ، فَالدَّلِيلُ هُوَ كَمْ وَقْتًا وَكُلْفَةً اخْتَصَرَهُمَا عَلَى الْمُواطِنِ وَالْمُؤَسَّسَةِ.

وَلَعَلَّ هُنَا تَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ مَجْلِسِ النُّوَّابِ؛ فَالْمَجْلِسُ لَيْسَ جِهَةً تَنْفِيذِيَّةً لِلْمَشَارِيعِ، وَلَكِنَّهُ جُزْءٌ أَسَاسِيٌّ مِنَ الْبِنْيَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ وَالرَّقَابِيَّةِ فِي الدَّوْلَةِ.

وَمِنْ هُنَا تَكْمُنُ قِيمَةُ النِّقَاشِ النِّيَابِيِّ فِي نَقْلِ الْأَرْقَامِ مِنْ مُجَرَّدِ بَيَانَاتٍ مَالِيَّةٍ إِلَى أَسْئِلَةٍ عَنْ كَفَاءَةِ الْإِنْفَاقِ، وَمَدَى تَحَقُّقِ الْأَهْدَافِ، وَحَجْمِ الْأَثَرِ، وَمَدَى اسْتِجَابَةِ السِّيَاسَاتِ لِلاحْتِيَاجَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ.

وَقَدْ خُصِّصَ فِي مُوَازَنَةِ 2026 نَحْوُ 396 مِلْيُونَ دِينَارٍ لِمَشَارِيعِ رُؤْيَةِ التَّحْدِيثِ الِاقْتِصَادِيِّ، فِي إِطَارِ مُسْتَهْدَفَاتٍ أَوْسَعَ لِرَفْعِ النُّمُوِّ وَزِيَادَةِ الِاسْتِثْمَارِ وَتَحْفِيزِ الْقِطَاعِ الْخَاصِّ.

كَمَا قُدِّرَ النُّمُوُّ الِاقْتِصَادِيُّ الْحَقِيقِيُّ لِعَامِ 2026 بِنَحْوِ 2.9%، مَعَ تَوَقُّعِ تَجَاوُزِ 3% فِي عَامَيْ 2027 وَ2028، وَتَقْدِيرِ النَّفَقَاتِ الرَّأْسِمَالِيَّةِ بِنَحْوِ 1.6 مِلْيَارِ دِينَارٍ.

وَهُنَا يَصِيرُ مِنَ الْمُهِمِّ أَنْ نُنْصِتَ إِلَى السُّؤَالِ الشَّعْبِيِّ لَا لِكَيْ نُحَوِّلَهُ إِلَى حُكْمٍ سَرِيعٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، بَلْ لِكَيْ نَجْعَلَهُ جُزْءًا مِنْ عَمَلِيَّةِ تَقْيِيمِ السِّيَاسَةِ.

فَقَلَقُ الْمُواطِنِ بَيَانٌ اجْتِمَاعِيٌّ يَحْتَاجُ إِلَى فَهْمٍ، وَالْخُطَّةُ الْحُكُومِيَّةُ وَعْدٌ مُؤَسَّسِيٌّ يَحْتَاجُ إِلَى قِيَاسٍ.

وَبَيْنَ الْقَلَقِ وَالْخُطَّةِ تَنْشَأُ مَسَاحَةُ الْمُسَاءَلَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي تُحَوِّلُ الِاخْتِلَافَ إِلَى نِقَاشٍ، وَالْوَعْدَ إِلَى التِزَامٍ، وَالتَّنْفِيذَ إِلَى نَتِيجَةٍ يُمْكِنُ رُؤْيَتُهَا وَقِيَاسُهَا.

وَلَعَلَّ أَصْعَبَ مَا فِي مَشْرُوعِ التَّحْدِيثِ الِاقْتِصَادِيِّ لَيْسَ كِتَابَةَ الْخُطَطِ، بَلْ الْمُحَافَظَةَ عَلَى زَخَمِهَا حِينَ تَنْتَقِلُ مِنْ مَرْحَلَةِ الْإِعْلَانِ إِلَى مَرْحَلَةِ الْمُوَاصَلَةِ وَالْمُرَاجَعَةِ وَالتَّصْحِيحِ.

فَالْمَشْرُوعَاتُ الْكُبْرَى لَا تَنْجَحُ بِخُطَّةٍ جَيِّدَةٍ فَقَطْ، بَلْ بِإِدَارَةٍ تَرْصُدُ الْمَخَاطِرَ، وَتَعْرِفُ أَيْنَ تَتَعَثَّرُ الْمَشَارِيعُ، وَتُصَحِّحُ الْمَسَارَ قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ التَّأْخِيرُ إِلَى كُلْفَةٍ جَدِيدَةٍ.

كَذَلِكَ فَإِنَّ التَّحْدِيثَ الِاقْتِصَادِيَّ لَا يَجِبُ أَنْ يُقَاسَ بِحَجْمِ الِاسْتِثْمَارِ وَحْدَهُ، بَلْ بِجَوْدَةِ الِاسْتِثْمَارِ وَأَثَرِهِ. فَالْمَشْرُوعُ الَّذِي يَجْذِبُ رَأْسَ مَالٍ وَلَا يُسْهِمُ فِي تَوْسِيعِ الْإِنْتَاجِ أَوْ التَّشْغِيلِ لَا يُؤَدِّي الْوَظِيفَةَ نَفْسَهَا الَّتِي يُؤَدِّيهَا مَشْرُوعٌ يَفْتَحُ أَبْوَابًا لِقِطَاعٍ جَدِيدٍ وَيَخْلُقُ مَهَارَاتٍ وَسِلَاسِلَ قِيمَةٍ وَفُرَصَ عَمَلٍ.

وَهُنَا تَتَقَاطَعُ السِّيَاسَةُ الِاقْتِصَادِيَّةُ مَعَ التَّعْلِيمِ؛ فَالِاقْتِصَادُ الَّذِي يُرِيدُ نُمُوًّا مُسْتَدَامًا يَحْتَاجُ إِلَى إِنْسَانٍ مُؤَهَّلٍ، وَالتَّعْلِيمُ الَّذِي يُرِيدُ لِخَرِّيجِيهِ عَمَلًا يَحْتَاجُ إِلَى اقْتِصَادٍ قَادِرٍ عَلَى اسْتِيعَابِ مَهَارَاتِهِمْ.

وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ مَعَادَلَةَ الْمُسْتَقْبَلِ لَا تَقُومُ عَلَى مَحْوِ الْقَلَقِ بِالْخِطَابِ، وَلَا عَلَى تَجْمِيلِ الْأَرْقَامِ، وَلَا عَلَى نَقْدِ الْخُطَطِ دُونَ بَدَائِلَ.

إِنَّهَا تَقُومُ عَلَى تَحْوِيلِ الْخُطَّةِ إِلَى مَسَارٍ مَعْلُومٍ، وَالْمَسَارِ إِلَى مَشْرُوعٍ، وَالْمَشْرُوعِ إِلَى إِنْجَازٍ، وَالْإِنْجَازِ إِلَى أَثَرٍ، وَالْأَثَرِ إِلَى فُرْصَةٍ أَوْ دَخْلٍ أَوْ خِدْمَةٍ أَفْضَلَ يَشْعُرُ بِهَا الْمُواطِنُ.

إِنَّ الْمُواطِنَ لَا يَطْلُبُ مِنَ الِاقْتِصَادِ أَنْ يَكُونَ خَالِيًا مِنَ التَّحَدِّيَاتِ؛ فَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّ الْمَنَاخَ الِاقْتِصَادِيَّ يَتَأَثَّرُ بِعَوَامِلَ دَاخِلِيَّةٍ وَإِقْلِيمِيَّةٍ وَدُوَلِيَّةٍ. وَلَكِنَّهُ يَطْلُبُ أَنْ يَرَى مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَغَيَّرَ بِالْفِعْلِ، وَأَنْ يَفْهَمَ مَا يَحْدُثُ بِشَفَافِيَّةٍ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ مَكَانٌ فِي مَنْظُومَةِ التَّحْدِيثِ لَا فِي نِهَايَةِ مَرْحَلَةِ الْمُسَاءَلَةِ فَقَطْ.

وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ أَفْضَلَ مُؤَشِّرٍ لِنَجَاحِ التَّحْدِيثِ الِاقْتِصَادِيِّ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ لَيْسَ عَدَدَ الصَّفَحَاتِ فِي الْخُطَّةِ، وَلَا عَدَدَ الْمُؤْتَمَرَاتِ، وَلَا كَثْرَةَ الْعِبَارَاتِ الْمُؤَسَّسِيَّةِ؛ بَلْ مَقْدَارُ مَا يَتَحَوَّلُ فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ مِنْ قَلَقٍ إِلَى قُدْرَةٍ، وَمِنْ انْتِظَارٍ إِلَى فُرْصَةٍ، وَمِنْ شَهَادَةٍ إِلَى مَهَارَةٍ، وَمِنْ مَهَارَةٍ إِلَى عَمَلٍ، وَمِنْ عَمَلٍ إِلَى دَخْلٍ، وَمِنْ دَخْلٍ إِلَى اسْتِقْرَارٍ.

وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ «التَّحْدِيثَ الِاقْتِصَادِيَّ» لَنْ يَكْتَمِلَ بِمُجَرَّدِ اكْتِمَالِ مَرَاحِلِهِ الْإِدَارِيَّةِ، بَلْ حِينَ يَسْتَطِيعُ الْمُواطِنُ أَنْ يَقْرَأَ أَثَرَهُ فِي حَيَاتِهِ مِنْ دُونِ حَاجَةٍ إِلَى شَرْحٍ طَوِيلٍ.

عِنْدَهَا سَتَنْتَقِلُ الْخُطَطُ مِنْ وَعْدٍ إِلَى ثِقَةٍ، وَسَتَنْتَقِلُ الْأَرْقَامُ مِنْ جَدَاوِلَ رَسْمِيَّةٍ إِلَى مَكَاسِبَ اجْتِمَاعِيَّةٍ، وَسَيَكُونُ الْمُواطِنُ لَا مُجَرَّدَ مُتَلَقٍّ لِنَتَائِجِ التَّحْدِيثِ، بَلْ شَرِيكًا فِي صِنَاعَةِ مُسْتَقْبَلِهِ.

وَفِي النِّهَايَةِ، يَبْقَى السُّؤَالُ الْأَبْسَطُ وَالْأَعْمَقُ: حِينَ نَقُولُ «التَّحْدِيثَ الِاقْتِصَادِيَّ»، مَتَى سَيَسْمَعُ الْمُواطِنُ صَدَاهُ فِي جَيْبِهِ، وَفِي فُرْصَةِ عَمَلِهِ، وَفِي خِدْمَتِهِ، وَفِي قُدْرَتِهِ عَلَى التَّخْطِيطِ لِلْغَدِ؟

فَفِي الْفَاصِلَةِ بَيْنَ هَذَا السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ تَقَعُ الْمَسَافَةُ كُلُّهَا بَيْنَ خُطَطِ الْحُكُومَةِ وَقَلَقِ الْمُواطِنِ؛ وَفِي قُدْرَةِ الدَّوْلَةِ عَلَى تَقْلِيلِ هَذِهِ الْمَسَافَةِ سَيَبْقَى التَّحْدِيثُ الِاقْتِصَادِيُّ أَكْبَرَ مِنْ خُطَّةٍ، وَأَعْمَقَ مِنْ رَقْمٍ، وَأَقْرَبَ إِلَى مِيزَانٍ حَقِيقِيٍّ لِقُدْرَةِ الْمُؤَسَّسَاتِ عَلَى تَحْوِيلِ الْطُّمُوحِ إِلَى حَيَاةٍ أَكْثَرَ إِنْتَاجًا وَفُرَصًا وَاسْتِقْرَارًا.

المزيد في قسم مقالات

الأكثر قراءة

الأخبار العاجلة

كن الأول في معرفة آخر المستجدات فور حدوثها

ابقَ على اطّلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى واتساب مباشرة فور النشر.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام و سياسة الخصوصية.
+962