آخر الأخبار
الحجايا: لن نصمت عن مظالم التعيينات .. وملف لإنصاف أبناء البوادي والقرىمشاركة أردنية فاعلة للمدن الصناعية في مؤتمر دولي بالقاهرةنتنياهو ووزراء حكومته وآلاف المستوطنين يقتحمون ساحة حائط البراقبلدية الرمثا تُنهي تجهيز متحف التراث في مبنى "البريد القديم"منطقة تنموية جديدة في الشيدية وإعادة تأهيل حدائق ونادي المعلمين بمعانالحكومة تكشف عن صورة تنموية متكاملة لمعان تكتمل خلال 2027 (تفاصيل)حسان: الوضع الإقليمي صعب والأزمات حولنا قد تطول لأشهر أو سنواتهل يحتاج الأردن إلى تشريع خاص لحماية الأطفال في البيئة الرقمية؟أيها الرئيس ... القادم أجمللعبة الاستغماية " الاستغناء " ، بين الوزير الجديد والموظفين !!! .
منذ 7 أيام5 دقائق قراءة
التحكم بالخط:

مُسْتَقْبَلُ التَّعْلِيمِ الْأُرْدُنِيِّ: مِنْ مَنْظُومَةِ التَّلَقِّي إِلَى صِنَاعَةِ الْمَهَارَةِ وَفُرَصِ الْعَمَلِ

مُسْتَقْبَلُ التَّعْلِيمِ الْأُرْدُنِيِّ: مِنْ مَنْظُومَةِ التَّلَقِّي إِلَى صِنَاعَةِ الْمَهَارَةِ وَفُرَصِ الْعَمَلِ


القلعة نيوز - بقلم: أستاذ مشارك محمد حرب بشير اللصاصمة عميد كلية اللغات وعلومها


لَمْ يَعُدِ السُّؤَالُ الْمَرْحَلِيُّ فِي التَّعْلِيمِ الْأُرْدُنِيِّ: كَمْ يَتَعَلَّمُ طُلَّابُنَا؟ بَلْ أَصْبَحَ السُّؤَالُ الْأَكْثَرُ إِلْحَاحًا: مَاذَا يَسْتَطِيعُ خَرِّيجُنَا أَنْ يَفْعَلَ بِمَا تَعَلَّمَهُ؟

فَالْعَالَمُ لَمْ يَعُدْ يَقِيسُ قِيمَةَ التَّعْلِيمِ بِحَجْمِ الْمَعَارِفِ الَّتِي تَمْلَأُ عَقْلَ الْمُتَعَلِّمِ، بَلْ بِقُدْرَتِهِ عَلَى تَحْوِيلِ الْمَعْرِفَةِ إِلَى مَهَارَةٍ، وَالْمَهَارَةِ إِلَى إِنْتَاجٍ، وَالْإِنْتَاجِ إِلَى قِيمَةٍ تَنْعَكِسُ عَلَى الْفَرْدِ وَالِاقْتِصَادِ وَالْمُجْتَمَعِ.

وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ مُسْتَقْبَلَ التَّعْلِيمِ الْأُرْدُنِيِّ لَا يَتَعَلَّقُ بِزِيَادَةِ عَدَدِ الْمُؤَسَّسَاتِ وَالْبَرَامِجِ فَقَطْ، وَلَا بِتَغْيِيرِ الْمُقَرَّرَاتِ وَالِاخْتِبَارَاتِ فَقَطْ، بَلْ بِإِعَادَةِ تَعْرِيفِ وَظِيفَةِ التَّعْلِيمِ نَفْسِهَا: هَلْ هُوَ مَسَارٌ لِتَلَقِّي الْمَعْلُومَاتِ، أَمْ مَنْظُومَةٌ لِبِنَاءِ الْإِنْسَانِ الْمُنْتِجِ، وَالْمُتَعَلِّمِ الْقَادِرِ عَلَى التَّكَيُّفِ وَالِابْتِكَارِ وَصِنَاعَةِ الْفُرَصِ؟

لَقَدْ أَصْبَحَتِ الْفَجْوَةُ بَيْنَ مَا يَتَعَلَّمُهُ الشَّابُّ وَمَا يَطْلُبُهُ سُوقُ الْعَمَلِ مِنْ أَبْرَزِ التَّحَدِّيَاتِ الَّتِي تَفْرِضُ إِعَادَةَ النَّظَرِ فِي بِنْيَةِ التَّعْلِيمِ وَمَسَارَاتِهِ. فَالْشَّهَادَةُ، مَهْمَا كَانَتْ قِيمَتُهَا، لَمْ تَعُدْ وَحْدَهَا كَافِيَةً لِضَمَانِ الِانْدِمَاجِ النَّاجِحِ فِي سُوقِ الْعَمَلِ.

وَالْمُؤَهِّلُ الْحَقِيقِيُّ لِلْمُسْتَقْبَلِ هُوَ مَنْ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَعْرِفَةِ الْمُتَخَصِّصَةِ، وَالْمَهَارَاتِ الرَّقْمِيَّةِ، وَالتَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ، وَحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ، وَالِاتِّصَالِ الْفَعَّالِ، وَالْعَمَلِ الْجَمَاعِيِّ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّعَلُّمِ الْمُسْتَمِرِّ. وَالْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي التَّعْلِيمِ نَفْسِهِ، بَلْ فِي نَمَطٍ تَعْلِيمِيٍّ ظَلَّ، فِي بَعْضِ جَوَانِبِهِ، يَعْتَمِدُ عَلَى أَنَّ الطَّالِبَ يَحْضُرُ، وَيَسْمَعُ، وَيَحْفَظُ، ثُمَّ يَخْتَبِرُ؛ فَيَتَمَحْوَرُ النَّجَاحُ حَوْلَ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِرْجَاعِ الْمَعْلُومَةِ أَكْثَرَ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَى تَوْظِيفِهَا.

وَهُوَ نَمَطٌ لَمْ يَعُدْ يَكْفِي فِي عَالَمٍ تُصْبِحُ فِيهِ الْمَعْلُومَةُ أَكْثَرَ تَوَفُّرًا، وَتُصْبِحُ فِيهِ الْمَهَارَةُ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْتَّطْبِيقِ هُمَا مَصْدَرَ الْفَرْقِ الْحَقِيقِيِّ.

وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الِانْتِقَالَ الْمَطْلُوبَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ تَعْلِيمٍ تَقْلِيدِيٍّ إِلَى تَعْلِيمٍ رَقْمِيٍّ فَقَطْ، بَلْ مِنْ مَنْظُومَةِ التَّلَقِّي إِلَى مَنْظُومَةِ صِنَاعَةِ الْقُدْرَةِ.

فَالطَّالِبُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ كَيْفَ يُفَكِّرُ، وَكَيْفَ يَتَعَلَّمُ، وَكَيْفَ يَبْنِي الْحَلَّ، وَكَيْفَ يَتَحَمَّلُ الْمَسْؤُولِيَّةَ، يَمْتَلِكُ فُرْصَةً أَكْبَرَ لِلنَّجَاحِ مِنْ طَالِبٍ يَمْتَلِكُ رَصِيدًا مَعْرِفِيًّا كَبِيرًا دُونَ أَنْ يَمْتَلِكَ قَابِلِيَّةَ تَحْوِيلِهِ إِلَى أَدَاءٍ وَإِنْجَازٍ.

وَلَعَلَّ أَهَمَّ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَغَيَّرَ فِي الْمَنْهَجِ الْأُرْدُنِيِّ هُوَ الِانْتِقَالُ مِنَ السُّؤَالِ: «مَاذَا سَنُدَرِّسُ؟»

إِلَى السُّؤَالِ: «مَاذَا نُرِيدُ أَنْ يَسْتَطِيعَ الْمُتَعَلِّمُ أَنْ يَفْعَلَ؟».

فَالنَّاتِجُ التَّعْلِيمِيُّ الْحَدِيثُ لَا يَقِيسُ كَمَّ الْمَعْلُومَاتِ الَّتِي امْتَلَكَهَا الطَّالِبُ، بَلْ يَقِيسُ قُدْرَتَهُ عَلَى تَطْبِيقِهَا فِي مَوَاقِفَ جَدِيدَةٍ، وَإِنْتَاجِ الْحُلُولِ، وَالتَّعَامُلِ مَعَ الْمُشْكِلَاتِ الْمُرَكَّبَةِ، وَالِانْدِمَاجِ فِي بِيئَةِ الْعَمَلِ، وَالتَّعَلُّمِ مِنَ التَّجْرِبَةِ.

وَهَذَا يَقُودُنَا إِلَى ضَرُورَةِ إِعَادَةِ النَّظَرِ فِي الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْمَدْرَسَةِ وَالْجَامِعَةِ مِنْ جِهَةٍ، وَسُوقِ الْعَمَلِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى.

فَالْجَامِعَةُ الَّتِي تَنْتَجُ تَخَصُّصَاتٍ لَا تَقْرَأُ تَحَوُّلَاتِ الِاقْتِصَادِ، وَالْمَدْرَسَةُ الَّتِي لَا تَكْشِفُ لِلْمُتَعَلِّمِ مُبَكِّرًا مَعْنَى الْمِهْنَةِ وَالْمَهَارَةِ، تُسْهِمَانِ مِنْ حَيْثُ لَا تَقْصِدَانِ فِي تَوْسِيعِ الْفَجْوَةِ بَيْنَ التَّعْلِيمِ وَالِاشْتِغَالِ.

وَالْحَلُّ لَيْسَ فِي أَنْ نَجْعَلَ التَّعْلِيمَ تَابِعًا لِسُوقِ الْعَمَلِ بِصُورَةٍ عَمْيَاءَ، بَلْ فِي أَنْ نَبْنِي شَرَاكَةً حَقِيقِيَّةً تُصْغِي إِلَيْهَا الْمُؤَسَّسَاتُ التَّعْلِيمِيَّةُ، وَتَفْهَمُ مِنْهَا الِاتِّجَاهَاتِ الْمُهَنِيَّةَ، وَتُعِدُّ لَهَا مُتَعَلِّمًا يَمْلِكُ الْأُسُسَ وَالْقَابِلِيَّةَ عَلَى التَّطَوُّرِ.

وَمِنْ أَكْثَرِ الْمَسَاحَاتِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى تَحَوُّلٍ عَمِيقٍ مَفْهُومُ التَّدْرِيبِ الْعَمَلِيِّ؛ فَلَا يَجِبُ أَنْ يَبْقَى الْمُتَدَرِّبُ فِي مَوْقِعِ الْمُشَاهِدِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْقِعِ الْمُشَارِكِ وَالْمُنْتِجِ.

وَهُنَا تَظْهَرُ أَهَمِّيَّةُ التَّعَلُّمِ بِالْمَشْرُوعِ، وَالْمُهِمَّاتِ الْأَدَائِيَّةِ، وَالتَّجَارِبِ الْمَيْدَانِيَّةِ، وَالْحَاضِنَاتِ، وَالْمُخْتَبَرَاتِ، وَالشَّرَاكَاتِ مَعَ الْمُؤَسَّسَاتِ وَالشَّرِكَاتِ؛ لِأَنَّ الْمَهَارَةَ لَا تَنْضُجُ فِي الْكُتُبِ وَحْدَهَا، بَلْ فِي سِيَاقَاتِ الْمُمَارَسَةِ وَحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ.

وَيَتَزَامَنُ ذَلِكَ مَعَ تَحَوُّلٍ كَبِيرٍ فِي مَفْهُومِ الْعَمَلِ نَفْسِهِ؛ فَالِاقْتِصَادُ الْجَدِيدُ لَا يَفْتَحُ أَبْوَابَهُ لِحَامِلِ الْمُؤَهِّلِ فَقَطْ، بَلْ لِمَنْ يَمْلِكُ مَهَارَةً قَابِلَةً لِلْإِثْبَاتِ وَالِاخْتِبَارِ.

وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ التَّعْلِيمَ الْأُرْدُنِيَّ يَحْتَاجُ إِلَى الِانْتِقَالِ مِنْ مَنْطِقِ «التَّخَرُّجِ» إِلَى مَنْطِقِ «الِاسْتِعْدَادِ لِلِانْتِقَالِ إِلَى الْعَمَلِ».

وَهَذَا يَعْنِي أَنْ يَتَخَرَّجَ الطَّالِبُ وَهُوَ يَمْلِكُ مِلَفًّا مُتَكَامِلًا لِمَهَارَاتِهِ وَمَشْرُوعَاتِهِ وَتَجَارِبِهِ، لَا وَثِيقَةً أَكَادِيمِيَّةً وَحْدَهَا.

وَلَا يُمْكِنُ لِهَذَا التَّحَوُّلِ أَنْ يَنْجَحَ مِنْ دُونِ مُعَلِّمٍ جَدِيدِ الدَّوْرِ.

فَالْمُعَلِّمُ فِي مَدْرَسَةِ الْمُسْتَقْبَلِ لَا يَكُونُ مَصْدَرَ الْمَعْلُومَةِ الْوَحِيدَ، بَلْ مُصَمِّمًا لِخِبْرَةِ التَّعَلُّمِ، وَمُيَسِّرًا لِلتَّفْكِيرِ، وَمُوَجِّهًا لِلْمَشْرُوعِ، وَكَاشِفًا لِقُدُرَاتِ الطُّلَّابِ.

وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الِاسْتِثْمَارَ فِي تَأْهِيلِ الْمُعَلِّمِ لِيَكُونَ قَادِرًا عَلَى تَنْسِيقِ الْمَعْرِفَةِ وَالْمَهَارَةِ وَالتِّقْنِيَةِ وَالتَّقْوِيمِ، هُوَ اسْتِثْمَارٌ مُبَاشِرٌ فِي مُسْتَقْبَلِ سُوقِ الْعَمَلِ.

كَمَا أَنَّ الذَّكَاءَ الِاصْطِنَاعِيَّ يَفْرِضُ عَلَى التَّعْلِيمِ الْأُرْدُنِيِّ سُؤَالًا جَدِيدًا: مَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَلَّمَهُ الطَّالِبُ إِذَا كَانَتِ الْآلَةُ قَادِرَةً عَلَى أَدَاءِ جُزْءٍ مُتَزَايِدٍ مِنَ الْمَهَامِّ الْمَعْلُومَاتِيَّةِ؟

وَالْإِجَابَةُ لَا تَكْمُنُ فِي مُنَافَسَةِ الْآلَةِ فِي سُرْعَتِهَا، بَلْ فِي بِنَاءِ إِنْسَانٍ يَمْلِكُ مَا يَجْعَلُهُ قَادِرًا عَلَى تَوْجِيهِ الْآلَةِ وَتَقْوِيمِ مَخْرَجَاتِهَا وَتَوْظِيفِهَا بِمَسْؤُولِيَّةٍ.

وَهُنَا تَتَقَاطَعُ الْمَهَارَاتُ الرَّقْمِيَّةُ مَعَ الْمَهَارَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ، فَيَصِيرُ التَّفْكِيرُ النَّقْدِيُّ وَالِابْتِكَارُ وَالْحُكْمُ الْأَخْلَاقِيُّ وَالِاتِّصَالُ وَالْمَرُونَةُ مَصَادِرَ أَسَاسِيَّةً لِلْقِيمَةِ الْمِهْنِيَّةِ.

وَإِذَا أَرَادَ الْأُرْدُنُّ أَنْ يُعِيدَ صِيَاغَةَ عِلَاقَةِ التَّعْلِيمِ بِفُرَصِ الْعَمَلِ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ أَيْضًا إِلَى تَغْيِيرِ نَظْرَتِهِ إِلَى مَفْهُومِ «الْوَظِيفَةِ». فَالْمُسْتَقْبَلُ لَا يَتَكَوَّنُ مِنْ وَظَائِفَ تَنْتَظِرُ طَلَبَاتِ التَّوْظِيفِ فَقَطْ؛ بَلْ مِنْ بِيئَةٍ تُشَجِّعُ عَلَى رِيَادَةِ الْأَعْمَالِ، وَالِابْتِكَارِ، وَالْعَمَلِ الْحُرِّ، وَالْمَشْرُوعَاتِ الصَّغِيرَةِ وَالْمَعْرِفِيَّةِ، وَالْخِدْمَاتِ الرَّقْمِيَّةِ.

وَهُنَا يَجِبُ أَنْ يَتَحَوَّلَ التَّعْلِيمُ مِنْ مُؤَسَّسَةٍ تُعِدُّ الْبَاحِثِينَ عَنْ فُرْصَةٍ إِلَى مُؤَسَّسَةٍ تُسَاهِمُ فِي إِعْدَادِ مَنْ يَقْدِرُونَ عَلَى خَلْقِ الْفُرَصِ. وَلَكِنَّ الِانْتِقَالَ إِلَى تَعْلِيمٍ مَبْنِيٍّ عَلَى الْمَهَارَةِ لَا يَعْنِي التَّخَلِّيَ عَنِ الْمَعْرِفَةِ، فَالْمَهَارَةُ الْقَوِيَّةُ لَا تَنْشَأُ مِنْ فَرَاغٍ. إِنَّمَا الْمَطْلُوبُ هُوَ إِعَادَةُ التَّوَازُنِ بَيْنَ «مَا يَعْرِفُهُ الطَّالِبُ» وَ«مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْعَلَهُ»، وَبَيْنَ «مَا يَتَعَلَّمُهُ فِي الْمُؤَسَّسَةِ» وَ«مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْحَيَاةِ».

فَالتَّعْلِيمُ الرَّصِينُ لَيْسَ تَعْلِيمًا لِلْمَهَارَةِ بِلَا مَعْرِفَةٍ، وَلَا لِلْمَعْرِفَةِ بِلَا تَطْبِيقٍ، بَلْ هُوَ بِنَاءٌ مُتَكَامِلٌ يَجْعَلُ الْمَعْرِفَةَ أَسَاسًا، وَالْمَهَارَةَ أَدَاةً، وَالْقِيمَةَ وَجْهَةً.

وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ مَسْتَقْبَلَ التَّعْلِيمِ الْأُرْدُنِيِّ يَحْتَاجُ إِلَى «مِيثَاقٍ جَدِيدٍ» بَيْنَ الْمَدْرَسَةِ وَالْجَامِعَةِ وَالْمُجْتَمَعِ وَالِاقْتِصَادِ؛ مِيثَاقٍ يَجْعَلُ جَوْدَةَ الْخَرِّيجِ هِيَ الْمِحْوَرَ، لَا جَوْدَةَ الْوَرَقَةِ وَحْدَهَا.

وَتَكُونُ مُؤَشِّرَاتُ النَّجَاحِ فِيهِ أَوْسَعَ مِنْ نَسَبِ النَّجَاحِ وَالِامْتِيَازِ، لِتَشْمَلَ قَابِلِيَّةَ الْخَرِّيجِ لِلتَّوْظِيفِ، وَقُدْرَتَهُ عَلَى الِانْدِمَاجِ الْمِهْنِيِّ، وَتَقَدُّمَهُ فِي مَسَارِهِ الْوَظِيفِيِّ، وَقُدْرَتَهُ عَلَى إِطْلَاقِ مَشْرُوعٍ أَوْ تَقْدِيمِ حَلٍّ أَوْ صِنَاعَةِ فُرْصَةٍ. إِنَّ الْقَضِيَّةَ، فِي جَوْهَرِهَا، لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَحْدِيثٍ لِلْمَنَاهِجِ، بَلْ إِعَادَةُ بِنَاءِ «فَلْسَفَةِ التَّعَلُّمِ» نَفْسِهَا. نَحْتَاجُ إِلَى تَعْلِيمٍ يُعَلِّمُ الطَّالِبَ كَيْفَ يَفْهَمُ، وَكَيْفَ يَفْعَلُ، وَكَيْفَ يَبْتَكِرُ، وَكَيْفَ يَتَعَاوَنُ، وَكَيْفَ يَتَحَمَّلُ الْمَسْؤُولِيَّةَ، وَكَيْفَ يَتَعَلَّمُ مَرَّةً أُخْرَى حِينَ يَتَغَيَّرُ الْعَالَمُ. وَفِي النِّهَايَةِ، لَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلُ التَّعْلِيمِ الْأُرْدُنِيِّ فِي كَثْرَةِ الشَّهَادَاتِ، وَلَا فِي عَدَدِ الْخَرِّيجِينَ فَقَطْ، بَلْ فِي قِيمَةِ مَا يَحْمِلُونَهُ مِنْ قُدْرَةٍ عَلَى الْعَمَلِ وَالْإِنْتَاجِ وَالِابْتِكَارِ.

وَالْمَعَادَلَةُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تُرْسَمَ لِلْمَرْحَلَةِ الْقَادِمَةِ وَاضِحَةٌ: مَعْرِفَةٌ تُؤَسِّسُ، وَمَهَارَةٌ تُطَبِّقُ، وَقِيمَةٌ تُوَجِّهُ، وَتَقْنِيَةٌ تُمَكِّنُ، وَقِيَادَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ تَسْتَشْرِفُ.

فَإِذَا نَجَحَ الْأُرْدُنُّ فِي نَقْلِ طَالِبِهِ مِنْ دَوْرِ الْمُتَلَقِّي إِلَى دَوْرِ الْمُبَادِرِ، وَمِنْ حَافِظِ الْمَعْلُومَةِ إِلَى مُنْتِجِ الْمَعْرِفَةِ، وَمِنْ طَالِبِ الْوَظِيفَةِ إِلَى صَانِعِ الْفُرْصَةِ، فَإِنَّهُ لَنْ يَكُونَ قَدْ طَوَّرَ التَّعْلِيمَ فَقَطْ، بَلْ سَيَكُونُ قَدْ أَعَادَ بِنَاءَ جُزْءٍ أَسَاسِيٍّ مِنْ قُدْرَةِ الِاقْتِصَادِ وَالْمُجْتَمَعِ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ.

وَهَذِهِ هِيَ الْنُّقْطَةُ الْفَاصِلَةُ: أَنْ لَا يَبْقَى التَّعْلِيمُ الْأُرْدُنِيُّ مَكَانًا لِتَلَقِّي الْمَعْلُومَةِ، بَلْ يَصِيرَ مَصْنَعًا لِلْقُدْرَةِ، وَمَشْتَلًا لِلْمَهَارَةِ، وَحَاضِنَةً لِلْإِبْدَاعِ، وَجِسْرًا حَقِيقِيًّا إِلَى فُرَصِ الْعَمَلِ، وَإِلَى فُرَصٍ أَكْبَرَ مِنَ الْعَمَلِ نَفْسِهِ: فُرَصِ صِنَاعَةِ الْمُسْتَقْبَلِ.

المزيد في قسم مقالات

الأكثر قراءة

الأخبار العاجلة

كن الأول في معرفة آخر المستجدات فور حدوثها

ابقَ على اطّلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى واتساب مباشرة فور النشر.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام و سياسة الخصوصية.
+962